
لم يكن المشهد الانتخابي مجرد أرقام في محاضر رسمية، ولا مجرد مقاعد توزعت بين الأحزاب. خلف نسبة المشاركة توجد حقيقة سياسية أثقل من كل النتائج ملايين المواطنين اختاروا ألا يضعوا ورقة في صندوق الاقتراع
وحين يشارك أقل من نصف المسجلين، يصبح السؤال أكبر من سؤال من فاز؟
السؤال الحقيقي هو من الذي خسر ثقة الناس؟
قد يقول البعض إن الممتنع عن التصويت لا يحق له الاحتجاج. لكن الامتناع ليس موقفاً واحداً، ولا يمكن اختزال ملايين المواطنين في تفسير واحد. هناك من فقد الثقة، وهناك من لم يجد في البرامج المعروضة ما يقنعه، وهناك من ابتعد عن السياسة، وهناك من يرى أن صوته لم يعد قادراً على تغيير واقعه
لكن مهما اختلفت الأسباب، تبقى الرسالة السياسية واضحة هناك مسافة واسعة بين جزء كبير من المجتمع وبين الحياة الحزبية
والأخطر أن هذه المسافة تبدو أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالشباب
الشاب الذي يبحث عن عمل، وعن تعليم جيد، وعن سكن وفرصة عادلة لبناء مستقبله، لا يريد خطابات انتخابية تتكرر كل بضع سنوات. يريد أن يرى نتائج ملموسة في حياته اليومية. يريد أن يعرف ماذا سيحدث غداً، لا أن يسمع فقط ماذا سيحدث بعد الانتخابات
ولهذا فإن التعامل مع العزوف الانتخابي باعتباره مجرد رقم سيكون خطأً سياسياً
الصندوق الانتخابي لا يعاقب أحداً، لكنه يكشف شيئاً
يكشف أن الأحزاب مطالبة بإعادة النظر في علاقتها بالمواطن، وأن البرامج لا ينبغي أن تكون شعارات موسمية، وأن الثقة لا تُطلب من الناس في يوم الاقتراع فقط، بل تُبنى طوال سنوات
أما الذين لم يصوّتوا، فلا ينبغي التعامل معهم باعتبارهم كتلة سياسية واحدة، ولا افتراض أنهم جميعاً يؤيدون حزباً أو يعارضون آخر
هم، قبل كل شيء، مواطنون يجب الاستماع إليهم
ربما تكون الرسالة الأقوى التي خرجت من هذه الانتخابات ليست اسم الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما السؤال الذي تركه الغائبون وراءهم
ماذا يجب أن يحدث حتى يعود المواطن الذي فقد الثقة إلى صندوق الاقتراع؟
ذلك هو التحدي الحقيقي
فالفوز في الانتخابات يمنح الأحزاب مقاعد في البرلمان، لكن كسب ثقة المجتمع يحتاج إلى أكثر بكثير من المقاعد
والذين لم يصوّتوا لم يختفوا
إنهم هنا
يدرسون، ويعملون، ويبحثون عن مستقبل، ويدفعون الضرائب، ويربّون أبناءهم، وينتظرون أن يروا سياسة تشبه حياتهم الحقيقية
وقد يكون من السهل تجاهل صمتهم
لكن الأصعب، والأهم، هو أن نسأل
لماذا وصلوا إلى الصمت أصلاً؟