
السر المخفي في كواليس الانتخابات
لم تعد السياسة في عصرنا هذا مجرد صراع برامج تتقاطع فيها الأفكار على طاولة النقاش، ولا تنافسا نبيلا تحت قبة المؤسسات، بل تحولت إلى حلبة مصارعة تدار خيوطها في الظل، وفي قلب هذا المشهد الملغوم، برزت مفردة « الصاك » كأيقونة فظة تختزل بؤسا سياسيا غير مسبوق، لتصبح رمزا ساخرا ومرعبا لعملية انتخابية تم إفراغها من كل حمولتها الأخلاقية والديمقراطية
إن حضور « الصاك » لم يكن تفصيلا عابرا، بل هو المفتاح السحري لفك لغز السر المخفي وراء ما يحدث فعلا في كواليس الكيانات الحزبية، إنه يعبر عن تحول فاضح انتقال الفساد الانتخابي من الممارسات الفولكلورية الساذجة إلى « شركات استثمار » متطورة تقودها مافيات الريع والسمسرة. السر المخفي هنا ليس محتوى هذه الحقائب المادية، بل هو التواطؤ الصامت والمدبر لتدجين الإرادة الشعبية، وتحويل صناديق الاقتراع إلى واجهات مزيفة لشرعنة نفوذ طارئ على قلوب المؤسسات
حين تصبح « الحقيبة » هي العنوان الأبرز للتأثير على مخرجات الانتخابات، فإننا لا نكون أمام أزمة تنظيمية عابرة، بل أمام انهيار قيمي كامل يعري عجز النخب عن إنتاج معنى حقيقي للتمثيلية السياسية. فالأرقام الرسمية مهما بلغت، ونسب المشاركة مهما تذبذبت، تفقد كل معانيها أمام صدمة الشارع الذي بات يدرك جيدا أن أطنان الوعود البرامجية تتبخر أمام سحر « الصاك »، هذا التآكل الممنهج هو ما يفسر ذلك العزوف المرعب والانكفاء الصامت للمواطن، الذي يرفض أن يكون مجرد شاهد زور في مسرحية هزلية
لذا، فإن صدمة « الصاك » هي مرآة كاشفة لزيف الشعارات، إنها ياسادة يا كرام صرخة مدوية تفضح حقيقة أن المعركة لم تكن يوما من أجل التنمية أو مواجهة التحديات الكبرى للبلاد، بل من أجل كعكة تقاسم الغنائم. وإذا لم ينتفض الضمير المؤسساتي لتطهير هذا المستنقع الجذري، فإن « الحقيبة »
ستظل هي الحاكم الفعلي، وستظل الديمقراطية مجرد ديكور أنيق يخفي خلفه خرابا سياسيا محتما