
يشكل المشهد السياسي والمؤسساتي في المغرب حاليا منعطفا تاريخيا دقيقا تتداخل فيه التحديات التنموية الكبرى مع الاستحقاقات السياسية الانتخابية، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030
وفي هذا السياق، يبرز حدثان مترابطان يعكسان إعادة هندسة مراكز القرار والتدبير
يتمثل الأول في انخراط فوزي لقجع، المهندس الإداري والمالي لملف المونديال، في صفوف حزب الأصالة والمعاصرة قبيل الاستحقاقات الانتخابية لعام 2026، بينما يتمثل الثاني في تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، قيادية نفس الحزب، رئيسة للحكومة لتشكيل الأغلبية المسؤولة عن تنزيل الأوراش الكبرى. هذا التقاطع يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة التحول في أدوار النخبة التكنوقراطية والسياسية، وما إذا كانت الحكومة الحالية ترتقي بحكم الأمر الواقع لتصبح « حكومة المونديال » بامتياز
من جهة، يعكس انتحال فوزي لقجع للصفة الحزبية والتحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة تحولا جوهريا من موقع التكنوقراطي المحايد إلى منخرط في المشروع السياسي البرلماني، وهو ما استدعيته ضرورة تحصين المشاريع الكبرى والاعتمادات المالية الضخمة بغطاء تشريعي وسياسي متماسك يحميه من تقلبات المشهد الحزبي. فتنظيم تظاهرة بحجم كأس العالم لا يقتصر على بناء الملاعب فحسب، بل يستوجب إصلاحات هيكلية واسعة في البنيات التحتية، والنقل، والصحة، والخدمات الرقمية، وهي أورش تتطلب تكاملا تاما بين السلطة التنفيذية والإدارة المالية والرياضية. ومن هنا، فإن وجود لقجع داخل الحاضنة السياسية التي تتصدر المشهد يذيب الحواجز البيروقراطية التقليدية، ويضمن إيقاعا سريعا ومرنا لاتخاذ القرارات الاستراتيجية
من جهة أخرى، فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الجهاز التنفيذي، بعد تصدر حزبها لانتخابات 2026، يضفي صبغة ميدانية وتنموية على عمل الحكومة. فالمنصوري، بخبرتها الميدانية المعروفة في قطاع التعمير وإعداد التراب الوطني والتدبير المحلي، تجد نفسها أمام تركة ثقيلة من الأوراش المفتوحة المرتبطة بالمونديال في المدن الكبرى المستضيفة. وعليه، فإن وجود قيادة حكومية قوية ومنسجمة مع قطب استراتيجي بحجم فوزي لقجع داخل نفس الحزب الحاكم يرسخ منطق « التكنوقراط السياسيين » الموجهين بالأساس نحو النتائج والنجاعة التنفيذية، بعيدا عن الصراعات الحزبية الضيقة. وبهذا المعنى، تصبح حكومة المنصوري، ضمنا وفعليا حكومة استثنائية تختزل في طياتها رهانات الدولة لتأهيل البنيات التحتية، وكسب رهان العرس الكوني لعام 2030، ضمن رؤية موحدة تدمج بين العمل الحكومي والتدبير الاستراتيجي للملفات الكبرى
Laisser un commentaire