للدهشة! نحن شعبٌ موهوب في أداء المشاهد الجماهيرية: نشتعل غضبًا أمام حدثٍ ما، نحتفل بإحساسٍ جماعي، ثم نعود لكل منا إلى روتينه وكأن شيئًا لم يحدث. يمكن أن يتحوّل أي حدثٍ إلى مهرجانٍ عاطفي لبضعة أيام، ثم يتلاشى ليحل محله حدثٌ آخر يتطلب نفس الجرعة من الهتاف والتعليق
الذاكرة الانتقائية لدينا تشي بعذوبة: نعيش على نبضاتٍ من الاهتمام، نخصص للفاجعة ساعة وللقصص المفجعة يومًا، ثم نطفئ المصابيح لنستقبل مفاجأة جديدة. هذه الدورة تجعلنا بارعين في ردود الفعل العاطفية، لكنها تسرق مننا رصانة المتابعة والعمل المستمر. كثيرًا ما تضعنا صيحات الغضب المؤقتة في مواجهة نتائج طويلة الأمد لم نعد نذكرها بعد أن انطفأت الأضواء
كما أن لدينا قدرة ملفتة على تحويل الفضيلة إلى استعراض. تُلقي الخطبةُ هنا، وتقام الاحتفالية هناك، وتعلو الأصوات في المناسبات التي تتطلب التصفيق، لكن عندما يُطلب منا المثابرة أو المواجهة الهادئة، نتراجع بحثًا عن مبررٍ للغض الطرف أو للتبرير. الفضيلة عندنا تُعرض كما المعروضات، تُشترى بلحظة شهرة وتُنسى مع نهاية الانطباع الأول
السمعة تصنع هنا أعاجيبها. ليست الحقائق وحدها من تُكسب الناس ثقة؛ صوتٌ أعلى أو روايةٌ أكثر إلحاحًا قادرة على تحويل شائعة إلى قناعة عامة. في بعض الأحيان تُصبح الإشاعة علماً عامًا لأن من ينادي بها لديه شبكة تضخيم أكبر، بينما صاحب الحجة المدعومة بالأدلة يُختزل إلى نغمةٍ متلعثمة في زحمة الضجيج. هكذا نصبح مستهلكين للجدل، ننتقي الضوضاء بدل البحث عن الحقيقة
هناك أيضًا براعة اجتماعية في الصمت. نهيئ لأنفسنا ألف سبب لصمتٍ مريح: « هذا شأن خاص »، « لا نحب الفوضى »، « ربما لا تكون الأمور كما تروى »
هذه الجمل تصنع راحة مؤقتة لكنها في النهاية تُسهِم في استمرار ما ننتقده. الصمت يتحوّل إلى تمكين غير معلن للسلوكيات الخاطئة، والتبرير الجماعي يصبح جسرًا للتهرّب والمسؤولية المشتركة
ومع ذلك، نحب أن نُظهر أننا مواكبون للعصر؛ نلتقط صورًا أنيقة وننشر تعليقات ذكية ونشارك الميمات التي تُبهر المتابعين
لكن وراء شهادات التقدّم هذه يختبئ تمسّك بعاداتٍ قد لا تخدم الحاضر. ننتقد بلا عمق، ونضحك بلا تحويل الضحك إلى فعل. كل سخرية تصبح نافذة لاستخفافٍ قصير، ثم نغلق الستائر ونعود إلى ما كان
الضحك والنقد الذكيان يمكن أن يكونا مفيدين إن وضعناهما في خدمة التغيير. السخرية التي تُثير الوعي مفيدة، أما السخرية التي تختصر كل شيء إلى مزحة فتهرب من الحقيقة فهي مجرد تسلية.
إذا أردنا أن نفعل شيئًا جدّيًا، فليكن الضحك فاتحةً للحوار والإصلاح: نقاشات محلية تفضي إلى حلول عملية، مساءلات بناءة تُحوّل الغضب إلى ضوابط، وممارسات يومية تُبدّل القِيَم المزيفة بقيمٍ حقيقية

بقلم : من تجاوز السؤال ولم يتجاوز الاحترام


Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *