صراحة، من أكثر ما يثير القلق في مثل هذه المشاهد ليس فقط أن شخصاً قبّل قدم شيخ، وإنما أن بعض الناس ما زالوا قادرين على ممارسة سلوكيات كنا نظن أنها انقرضت من الحياة العامة، أو أنها بقيت فقط في صفحات كتب التاريخ التي تتحدث عن عصور غابرة كان فيها الإنسان يبالغ في تقديس الأشخاص ويخلط بين الاحترام والعبودية
أن ترى اليوم إنساناً بالغاً ينحني أمام إنسان آخر ويقبّل قدمه، ثم يُطلب من الناس أن يتعاملوا مع المشهد باعتباره مجرد «تعبير عن المحبة» يحتاج إلى وقفة صريحة. المحبة لا تعني إلغاء الكرامة، والتقدير لا يعني إذلال النفس، والشيخ ـ مهما بلغت مكانته ـ يظل بشراً لا يُعبد ولا تُصرف له العبادات ولا تُمارس أمامه طقوس تنقل العلاقة من الاحترام إلى التقديس
والأغرب أن هذه السلوكيات تظهر أحياناً في محيط يفترض أن يكون أكثر الناس حرصاً على تنقية الدين من المبالغات والخرافات. فالدين ليس مسابقة في إظهار الولاء للأشخاص، وليس المطلوب من المسلم أن يثبت صلاحه بالتذلل أمام إنسان آخر. العبادة لله، والدعاء لله، والرجاء في الله، والخضوع لله
أما أن يتحول الشيخ إلى شخصية فوق النقد، وأن يصبح تقبيل القدم أو التبرك بالأشخاص أو الاستغاثة بهم أمراً يمكن تبريره بكلمة «المحبة»، فهنا يجب أن نتوقف ونطرح السؤال بوضوح: أين ينتهي الاحترام ويبدأ التقديس؟
والبيان الذي يقول إن ما وقع «تصرف فردي» قد يوضح موقف الزاوية من الواقعة، لكنه لا يلغي حق المجتمع في مناقشة الظاهرة نفسها. فالمشكلة ليست فقط في الشخص الذي قام بالفعل، وإنما في الثقافة التي يمكن أن تجعل إنساناً يعتقد أن هذا السلوك طبيعي أو مقبول أو حتى علامة على قوة الإيمان
والأخطر من ذلك هو أن نعتاد المشهد. أن نراه مرة، ثم نبرره، ثم نراه مرة أخرى، ثم نقول: «هذه عادات صوفية»، ثم يصبح الاعتراض عليها هو الشيء الغريب
نحن في القرن الحادي والعشرين، وفي زمن يفترض أن الإنسان أصبح أكثر وعياً بحقوقه وكرامته وقدرته على التفكير والنقد. لذلك من المؤسف أن نجد من لا يزال يبحث عن إنسان آخر ليضعه فوق رأسه، ويمنحه من التقديس ما لا يليق إلا بالله
والتصوف، إن كان تربية على الزهد والأخلاق والتواضع ومحبة الناس، فلا يحتاج إلى قدم تُقبّل حتى يثبت نفسه. والشيخ الذي يربي الناس على الدين لا يحتاج إلى مظاهر إذلال من حوله حتى تثبت مكانته. بل إن من أعظم علامات التربية أن يتعلم المريد كيف يحفظ كرامته وكرامة شيخه معاً
أما تبرير كل شيء باسم «المحبة»، فهذه حجة خطيرة؛ لأن المحبة الحقيقية لا تلغي العقل ولا تقتل النقد ولا تجعل الإنسان تابعاً بلا إرادة
والأمر لا يتعلق فقط بما يحدث داخل زاوية أو موسم ديني. إنه سؤال أكبر بكثير: أي نموذج من التدين نريد أن نتركه لأبنائنا؟
نريد لهم ديناً يجعلهم أعزاء بالله، أحرار العقل، محترمين للعلم والعلماء، لكن من دون تأليه البشر. نريدهم أن يحترموا الشيخ والأستاذ والمعلم والأب، لكن لا أن يعتقدوا أن الإنسان مهما علا شأنه يملك شيئاً من خصائص الألوهية
أما أن يكبر الطفل وهو يرى شخصاً يقبّل قدم شيخ، ثم يُقال له إن هذا مجرد «محبة»، فهنا يصبح من حقنا أن نسأل: ماذا نعلم أبناءنا بالضبط؟ الاحترام أم التقديس؟ الأدب أم التذلل؟ الدين أم صناعة الأشخاص المقدسين؟
المشكلة الحقيقية ليست في لقطة عابرة، بل في العقل الذي يجعل مثل هذه اللقطة قابلة للتبرير أصلاً
ومن حق المجتمع أن يرفض هذه المظاهر بصراحة، ومن حق أي إنسان أن يقول: لا أريد ديناً يُطلب مني فيه أن أضع عقلي وكرامتي عند أقدام أحد
فالإنسان يُحترم، ويُحب، ويُكرم؛ أما العبادة والخضوع المطلق والتقديس، فليست للبشر

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *