إلى الأجيال التي نهلت من علم المعهد الأصيل… ننعي رحيل تلك البوابة الشامخة المعلم الأخير الذي ظل يذكرنا بمجد طمس دوره، واليوم تطمس معالمه
تستمد المدن التليدة روحها من التفاصيل المعمارية التي تعاقبت عليها الأجيال وحين تستبدل تلك التفاصيل بلغة بناء صامتة، تفقد المدينة جزءا غير مرئي من هوية ناسها
وهذا بالضبط ما يلامسه خريجو وأبناء تارودانت اليوم وهم يقفون أمام الواجهة الجديدة لمعهد محمد الخامس للتعليم الأصيل، بعدما غاب القوس العريق الذي كان يختزل تاريخا كاملا من الوقار والإشعاع
لم تكن البوابة السابقة مجرد نقطة عبور أو جدار فاصل، بل كانت تعبيرا بصريا عن مدرسة علمية لها مكانتها وهيبتها، كانت الأقواس والملامح التراثية تعطي الانطباع الفوري لكل من دلف إليها بأن هذا المكان صرح خرجت منه قامات علمية وأدبية تركت أثرها في تاريخ المغرب الحديث
إن القضية اليوم لا تتعلق برفض التطوير أو التجديد، او إلحاح الضرورة بل بإشكالية النهج الذي يطمس الرموز بدلا من العناية بها. فالتحديث الحقيقي يعزز قيمة الأثر ويمنحه استمرارية، بينما التغيير الكلي للواجهات التاريخية يخلق قطيعة بصرية وجدانية بين المؤسسة وجيل تربى على احترام شواهدها
غير أن الحسرة الأعمق التي تحز في نفوس من عرفوا المعهد في عصره الذهبي، تكمن في أن هذه البوابة كانت آخر ما يربط الحاضر بذلك التاريخ التليد
فالمكان الذي كان يوما قبلة يتقاطر عليها طلاب العلم من ربوع المملكة ومن عمق الثغور الافريقية، تراجع دوره العلمي والإشعاعي منذ سنوات، ولم يتبق من ذلك الماضي العريض سوى بعض البنايات الداخلية وهذه البوابة التي ظلت تقاوم النسيان
ومع تعويض تلك البوابة بعمارة حديثة تفتقر إلى النبض التاريخي، تكون آخر الأدلة المادية على مجد المعهد قد توارت، ليتأكد للجميع أن قطع العهد مع الماضي لا يكون فقط بتراجع الدور، بل بأفول آخر الأشكال والمعالم التي كانت تشهد عليه
Laisser un commentaire