تتجه المنظومة القضائية بالمغرب نحو محطة تشريعية فارقة ومفصلية يوم 24 غشت 2026 وهو التاريخ المقرر رسميا لدخول القانون رقم25-58 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ. ولا يمثل هذا النص الجديد مجرد تحيين شكلي لظهير 1974 بعد أكثر من خمسة عقود من التطبيق، بل يكرس قطيعة منهجية مع الممارسات الإجرائية التي كانت سببا في تعطيل الزمن القضائي، متبنيا مقتربا متوازنا يجمع بين صرامة الضمانات الإجرائية ونجاعة الحماية القضائية

وتتبلور المعالم الكبرى لهذا الإصلاح الشامل في ثلاثية مترابطة تمس جوهر الدعوى القضائية: إعادة تنظيم أحكام التبليغ الميداني والإلكتروني 

تقييد حركية الأوامر القضائية بآجال سقوط حاسمة

 وإحداث مؤسسة قاضي التنفيذ لتأمين نجاعة الأحكام والسندات

تتحدد أولى هذه المرتكزات في إقرار ضوابط زمنية ومكانية صارمة لمباشرة التبليغ الميداني؛ حيث حصر المشرع المدى الزمني العام لعمل المفوض القضائي أو المكلف بالتبليغ بين الساعة 7:00 صباحا والساعة 22:00 ليلا، صيانة لحرمة المنازل وتحديدا للمسؤولية المهنية للمكلف بالإجراء، مع استثناء صريح للإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات النظامية، التي فرض النص الخضوع الصارم لأوقات العمل الإدارية الرسمية في تبليغها، ضمانا لسلامة التوصل الإداري وحفاظا على انتظام المرافق العامةوحدد كفية تبليغها ومن له الصفة في التوصل 

وعلى مستوى التدقيق الشكلي لشهادة التسليم، رفع التشريع الجديد من القيمة الثبوتية لهذا المحرر عبر اشتراط بيانات جوهرية غير قابلة للتغاضي؛ وفي مقدمتها التدوين الدقيق لـساعة التبليغ إلى جانب التاريخ، لحسم كل نزاع متعلق باحترام النطاق الزمني المسموح به أو احتساب سريان الآجال القانونية

كما ألزم النص التحقق الإيجابي من هوية المتسلم وتدوين رقم البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية (CNIE) أو الوثيقة الرسمية التي تقوم مقامها، قطعا للطريق أمام ادعاءات انتحال الصفة أو التملص التعسفي

 ولم تقف الملاءمة الإجرائية عند الهوية، بل امتدت إلى الأهلية الإجرائية للمتسلم نيابة عن المعني بالأمر، او مايصطلح عليه بالعلم الظني ،حيث رفع القانون السن الأدنى المفترض في من له الصفة في التسلم إلى 16 سنة كاملة، ملغيا الممارسات السابقة التي كانت تجيز تسليم الاستدعاءات لقاصرين دون إدراك لخطورة الوثيقة القضائية

كما وضع حد لمسطرة القيم او مايصطلح عليه بالعلم الشكلي

وفي مقابل الضوابط الميدانية، كرس القانون 25-58 التبليغ الإلكتروني كقناة أصيلة توازي المسار التقليدي، منحا إياه الحجية القانونية الكاملة بمجرد التوثيق الرقمي عبر المنصات المعتمدة لدى وزارة العدل نحو الحسابات المهنية للمفوضين القضائيين والمحامون و…..والإدارات العمومية وكذا الهواص سواء اشخاص وشركات وفق الشروط المحدد لذلك، وهو ما يحول احتساب الآجال إلى السجلات الإلكترونية الموثقة والأزمنة الرقمية غير القابلة للتعديل

ولم يقف التعديل التشريعي عند ضوابط التبليغ، بل امتد ليعيد تنظيم حركية الأوامر القضائية وجدية استغلالها؛ حيث أقر المشرع حكما حازما يحدد أجلا أقصاه شهر واحد من تاريخ صدور الأوامر المبنية على طلب لتنفيذها ، تحت طائلة اعتبار تلك الأوامر « كأن لم تكن » بمجرد انصرام هذا الأجل ،ويهدف هذا الجزاء الإجرائي إلى منع الاستغلال التعسفي أو المتأخر للأوامر الاستعجالية والولائية، وحث أطراف النزاع على التفاعل الجدي السريع مع الحقوق المكتسبة

وتتوج هذه الهندسة الإجرائية بإحداث مؤسسة قاضي التنفيذ كآلية قضائية متخصصة تروم تجاوز التعقيدات التي كانت ترافق مرحلة التنفيذ

 وتتميز هذه المؤسسة بمنح قاضي التنفيذ صلاحيات واسعة للبت في منازعات التنفيذ وإشكالاته، والإشراف المباشر على المساطر وتذليل العقبات الميدانية بالتنسيق مع المفوضين القضائيين والسلطات المختصة، مما يضمن الانتقال بالنص القضائي من حيز الحجية النظرية إلى واقع الحماية الفعلية والناجزة

إن دخول هذه الأحكام حيز التطبيق في 24 غشت 2026يعيد رسم التزامات الفاعلين في الحقل القضائي؛ فهو يضع المفوض القضائي أمام مسؤولية تحريرية وميدانية أكثر دقة، ويفرض على المحامي تتبعا رقميا وزمنيا لحظيا، ويضمن للمتقاضي حماية متوازنة تصون حق الدفاع وتتصدى للمماطلة، مرسية قواعد بيئة قضائية موثوقة تعزز مبدأ العدالة الناجزة بالمملكة

ذ/عبد الكريم ابورك 

مفوض قضائي / باحث في القانون الإجرائي


Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *