تتعدد الصور والتجليات حين يذكر اسم مدينة تارودانت؛ فبين الذاكرة الضاربة في عمق التاريخ والهوية السوسية الأصيلة، وبين واقع الميدان اليوم، تجد نفسك أمام مفارقة مؤلمة 
فالمدينة التي طالما صنفت كقلعة تاريخية وواجهة تراثية هامة، باتت تقف اليوم على إيقاع تراجع متواصل لم يقتصر على الواجهة السياحية فحسب، بل امتد ليمس تفاصيل الحياة اليومية للساكنة ومرافقها الحيوية

 منارة الفكر.. حين يخبو شعاع معهد محمد الخامس للتعليم الاصي

قبل عقود، لم تكن تارودانت مجرد حاضرة عمرانية، بل كانت حوضا علميا وقبلة لطالبي العلم والمعرفة من مختلف جهات المملكة وحتى من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ولا أدل على ذلك من الدور التاريخي الذي أداه « معهد محمد الخامس للتعليم الأصيل ». غير أن هذا الصرح الذي شكل شريانا فكريا وثقافيا حقيقيا، أضحى اليوم يعيش وضعا يقلص من أدائه ويسلب منه نفوذه العلمي السابق، في صورة تختزل انحسار الأدوار الريادية للمدينة واستسلامها لتهميش غير معلن

 محطة طرقية بلا مقومات.. وصدمة الوافد الأول

ولعل أول ما يصطدم به زائر المدينة، هو وضعية المحطة الطرقية، التي يفترض فيها أن تكون شريان التواصل وعنوان الجاذبية التنظيمية لأكبر إقليم من حيث المساحة بالمملكة. غير أن الواقع يضع القادمين أمام نقيض ذلك تماما، مرفق يقبع خلف الأسوار في موقع يفتقر لمعايير التهيئة والتحديث، وسط غياب شبه تام للخدمات الأساسية والحيوية وعناصر الجمالية والنظافة. إدارة وشكل هذه المحطة ينعكسان كعنوان صارخ لسوء تدبير المرافق العمومية والقصور في مواكبة طموحات المنطقة

بيئة تئن تحت تلوث مركب وتدبير معطوب

ولم تقف المأساة عند حدود الإهمال العمراني، بل تعدتها إلى البيئة والصحة العامة؛ حيث يرزح هواء المدينة وتحتضر سماؤها تحت وطأة تلوث مركب، تتجاذب مسؤوليته الممارسات العشوائية لحرق النفايات بالهامش والمطامير غير المراقبة، إلى جانب الانبعاثات والضغط البيئي الناجم عن الأنشطة الصناعية الكبرى بالمنطقة ، وسط غياب صارم لآليات المراقبة المستمرة وتطبيق معايير السلامة البيئية لحماية صحة المواطنين
وتزداد الصورة قتامة مع سوء تدبير مرفق النظافة العامة، الذي تجسده مشاهد النفايات و السلال المعلقة بين أغصان الأشجار او على الاعمدة وفي الشوارع. أما على مستوى حركة السير والتنقل داخل المجال الحضري، فيلاحظ المتابع تآكل علامات التشوير الطرقي واختفاء ممرات الراجلينفي اغلبها ، مما يضفي طابعا من الفوضى والارتباك الإداري في متابعة التفاصيل اليومية البسيطة التي تتوقف عليها جودة عيش الساكنة

 أسوار منغلقة وسياحة تحتضر

كل هذه العوامل متجمعة ساهمت هي الاخرى وألقت بظلالها الثقيلة على القطاع السياحي، الذي بات يشهد انكماشا واضحا. الأسوار الشاهقة التي كانت يوما رمزاوللمناعة والشموخ، أضحت اليوم وكأنها تنغلق على أزمات داخلية وتخفي وراءها شللا اقتصاديا يتفاقم يوما بعد يوم
إن وضع تارودانت اليوم يتجاوز مجرد ملاحظات عابرة، ليطرح أسئلة ملحة وعميقة موجهة إلى القائمين على تدبير الشأن العام محليا وإقليميا: إلى متى يستمر هذا النزيف الصامت في واحدة من أعرق حواضر المغرب؟ وما هي الخطة التنموية الحقيقية لإعادة الاعتبار لإقليم يتطلع أبناؤه إلى الاستحقاق لا إلى الإهمال؟

…وللحديث بقية

بقلم: ع. ابورك


Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *