
شكل التنفيذ الجبري الركيزة الأساسية لاستقرار المعاملات المالية والاقتصادية،واسمى مراتب تحقيق العدالة ،إذ لا قيمة للحق الموضوعي متى انعدمت الوسيلة الإجرائية الناجعة لاستيفائه، وهنا تبرز مسطرة الحجز لدى الغير كإحدى أهم آليات التحصيل التي يمتلكها الدائن لاستهداف أموال مدينه بين يدي الأغيار
وانسجاما مع التوجه التشريعي الرامي إلى تحديث المنظومة الإجرائية الوطنية وتعزيز الأمن القانوني وتسريع وثيرة التنفيذ ، جاء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية ليعيد صياغة وتنظيم هذه المسطرة من خلال المواد الممتدة من 572 إلى 583، محاولا تحقيق التوازن الدقيق بين مقتضيات النجاعة القضائية وحماية حقوق الأطراف
وفي هذا السياق، وتنصيصا على القواعد الإجرائية المؤطرة لهذه المسطرة، تطرق المشرع في المادة 572 وما يليها إلى إمكانية إيقاع الحجز إما بناء على أمر قضائي يصدره رئيس المحكمة بناء على طلب، أو بشكل مباشر من طرف المفوض القضائي متى توفر الدائن على سند تنفيذي يعطيه صلاحية سلوك هذه المسطرة فورا دون الحاجة لاستصدار إذن مسبق بإستثناء الأموال الغير قابلة للحجز طبقا للمادة 572 مع مراعاة مقتضيات المادة 574 والشكليات التي يتعين أن يتضمنها محضر الحجز طبقا للمادة 576
ويقوم المفوض القضائي بتحرير محضر حجز تتحدد شكلياته وجوبا طبقا للمقتضيات القانونية ذات الصلةالمشار إليها سلفا بحيث يجب أن يتضمن بيانات دقيقة لهوية الأطراف، وتعيين السند التنفيذي أو الأمر القضائي المؤطر للإجراء، وتحديد المبالغ أو المنقولات المحجوزة بدقة، مع إنذار المحجوز لديه بالمنع من الوفاء
ويوجه المفوض القضائي هذا المحضر والتبليغ أولا إلى المحجوز لديه باعتباره الحارس القانوني للمبالغ أو المنقولات المادتين 576و 577، متبوعا بتبليغ المدين المحجوز عليه لضمان إشعاره وعدم تهريب الأموال، طبقا لما تنص عليه المادة 577 المتعلقة بمسطرة الترتيب والتسليم. علاوة على ذلك، أقرت مقتضيات المادة المنظمة إلزام المفوض القضائي بإخضاع محضر الحجز لعملية تقييد فورية في سجل خاص تمسك لهذه الغاية لدى كتابة الضبط، وهو ما تكرسه المادة الموالية 578 لإتاحة المجال أمام باقي الدائنين لتقييد ديونهم بمقتضى إذن قضائي تعزيزا لمبدأ الشفافية ومؤسسة تزاحم الدائنين
ويترتب عن لحظة التبليغ القانوني قيام مفعول فوري ومباشر يغير من المركز القانوني لأطراف الخصومة التنفيذية وفقا لمضمون المادة 578، إذ يحظر على المحجوز لديه تسليم أي مبالغ أو سندات أو قيم منقولة تخص المدين المحجوز عليه، ويعد كل وفاء صادر عنه لفائدة مدينه بعد تاريخ التبليغ باطلا وعديم الأثر ولا يبرئ ذمته
كما فرضت المادة 579 على المحجوز لديه الالتزام بالإدلاء بتصريح دقيق بما في ذمته داخل الأجل القانوني 08 أيام المواليةللتبليغ، تحت طائلة تحمل المسؤولية الشخصية والمالية المترتبة عن الكتمان أو التضليل أو سوء النية. وفي نفس الاتجاه، رتبت المواد المستجدة التزاما صارما على المحجوز لديه يقضي بـتسليم المبالغ المصرح بها داخل أجل 15 يوما من تاريخ التصريح في حال إجراء الحجز مباشرة بناء على سند تنفيذي شريطة ألا ينازع أحد الأطراف في ذلك ويمكن تسليم المبالغ للمفوض القضائي دون مراعاة لتلك الآجال (15يوم) إذا صرح كتابة المحجوز عليه بكونه لايرغب في المنازعة ،فضلا عما تقره المادة 580من إلزام الدائن الحاجز برفع دعوى المصادقة على الحجز خلال أجل ثمانية أيام الموالية لتاريخ التبليغات في حالة إيقاع الحجز بناء على أمر قضائي بهدف تحويله إلى سند تنفيذي نهائي
وتفاديا للتعسف في استعمال الحق وحماية للأفراد والمؤسسات من الآثار المدمرة للحجوزات الشاملة، أقر القانون 58.25 عبر المواد 581 و582 و583صمامات أمان إجرائية بارزة تمثلت أساسا في مسطرة قصر الحجز، والتي تتيح للمدين التقدم بطلب استعجالي إلى رئيس المحكمة يرمي إلى تحديد نطاق الحجز في حدود المبالغ الضرورية لتغطية الدين ومصاريف التنفيذ وحدها متى ثبت تجاوز قيمة الأموال المحجوزة لحجم الدين الحقيقي، إلى جانب خيار أو إلزام إيداع المبالغ المادية المحجوزة بين يدي كتابة الضبط مما ينقل أثر الحراسة إلى حيازة المؤسسة القضائية تمهيدا لفتح المجال أمام مساطر التوزيع الجبري العادل
وخلاصة القول، يجسد التنظيم التشريعي الجديد للحجز لدى الغير من خلال المواد 572 إلى 583 من القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية طفرة نوعية نحو تحديث آليات التحصيل الجبري، حيث نجح المشرع في مزاوجة دقيقة بين متطلبات الأمن الاقتصادي وسرعة استيفاء الديون وبين الضمانات الحقوقية الممنوحة للمدين لتفادي التعسف الإجرائي، غير أن فعالية هذه المقتضيات تظل محكومة بمدى قدرة الاجتهاد القضائي والعملي على تطويع هذه المواد بما يكرس الأمن القانوني المنشود في بيئة الأعمال والقضاء المدني