
في كل استحقاق تشريعي، تعود للواجهة أدبيات الشارع المغربي الساخرة والناقمة، كمرآة عاكسة لعمق الهوة بين النخب السياسية والمواطن البسيط. ومن بين أقوى التعبيرات وأكثرها إلاما، تبرز العبارة الشهيرة: « طلق ليه الموسيقى وعطيه زريقة باش يلوح لوريقة ». جملة واحدة تختزل دراما سياسية واجتماعية متكاملة الأركان، وتطرح على الطاولة سؤالا جوهريا حول ما إذا كانت هذه المعادلة البائسة ما زالت تحكم المشهد الانتخابي الراهن
تحيل عبارة « طلق ليه الموسيقى » على الوجه الكلاسيكي البائس للحملات الانتخابية، حيث تتحول المنافسة من صراع برامجي وفكري إلى مهرجانات فولكلورية صاخبة. فبدل أن يتنافس المرشحون على تقديم حلول حقيقية لملفات التشغيل والصحة والتعليم وغلاء المعيسة، يلجأ البعض إلى ملء الفراغ بالاستعراضات والأهازيج المستهدفة إهاجة الحماس المؤقت وإلهاء الناخب عن مساءلة الحصيلة
أما عبارة « وعطيه زريقة »، فتأتي لتكمل المشهد برمزيتها القاسية التي تحيل على أساليب الاستمالة قصيرة الأمد والمسكنات الظرفية؛ سواء عبر الوعود الوهمية المعسولة أو المساعدات الموسمية العابرة وقضاء المصالح الشخصية الضيقة، في مقاربة تتعامل مع الناخب كـمريض يراد تسكين أوجاعه لا كمواطن كامل الحقوق. والنتيجة الحتمية هي « باش يلوح لوريقة »؛ أي دفع ناخب فقد الأمل للتوجه مكرها نحو صندوق الاقتراع ليسقط ورقته الانتخابية لا عن قناعة ببرنامج أو ثقة، بل طاعة لعرف أو طمعا في مصلحة عابرة
بينما ما زالت « ديناصورات » المشهد الانتخابي وأعيان الريع يعتمدون على هذه الأساليب مستغلين هشاشة الفئات الشعبية، يبرز في المقابل تحول مجتمعي دقيق يفرز مناعة ضدها. يتجلى ذلك في ارتفاع منسوب العزوف الانتخابي، خصوصا لدى الشباب والطبقة المتوسطة، كرسالة احتجاج صامتة مفادها أن الموسيقى لم تعد تلهي وأن الزريقة لم تعد تشفي. كما أن الفضاء الرقمي بات عينا كاشفة تفضح محاولات الاستخفاف بوعي المواطن
إن الانتخابات التشريعية ليست مجرد طقس روتيني أو محطة لتجديد الوجوه عبر أوراق ترمى بلا قناعة، بل هي استراتيجية وطنية كبرى ترتبط بمستقبل التنمية ومواجهة التحديات المفصلية. ولهذا، فإن كسر هذه النمطية البائدة هو معركة مزدوجة: معركة النخب الحزبية لتطهير صفوفها واستعادة المصداقية، ومعركة الناخب نفسه في رفض منطق الاستخفاف والتوجه نحو التصويت الواعي، لأن البقاء رهينة للسلبية لا يعني سوى إعادة إنتاج نفس الأزمات