تطرح مشاهد التدفقات الجماعية لشباب وقاصرين من أبناء الوطن نحومعابر مدينة سبتة أسئلة عميقة تتجاوز التفسيرات السطحية التي تُرجِع الحدث إلى شائعات رقمية أو تحريض عبر منصات التواصل الاجتماعي. المشهد الإنساني المركب يسلّط ضوءًا قويًا على مسؤولية الحكومات والسياسات العمومية، التي باتت مُلزمة بمراجعة جريئة لخياراتها الاقتصادية والاجتماعية لحماية المواطنين، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة

في صدارة هذه المسؤوليات يقف عجز برامج التشغيل الحكومية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب والمراهقين. فغياب فرص العمل الكفيلة بتوفير عيش كريم، وتفاقم أزمة الغلاء وارتفاع كلفة المعيشة، شكّلا حاجزًا أمام آفاق المستقبل وتسبّبا في تآكل القدرة الشرائية للأسر. هذا الواقع المعقّد غذّى مشاعر الإحباط واليأس، وجعل من فكرة المخاطرة والبحث عن فرص خارج الحدود مخرجًا يلوح في أفق كثيرين

كما يكشف تواجد الأطفال والقاصرين في مقدمة هذه التدفقات عن اختلالات واضحة في منظومة الرعاية والحماية الاجتماعية التي تقع على عاتق قطاعات التضامن والتعليم والطفولة. استمرار ظاهرة الهدر المدرسي، وندرة مراكز التأهيل والمرافق الثقافية والرياضية التي يمكنها احتضان الناشئة وإعادتها إلى المسار الطبيعي، يترك هذه الفئات عرضة للتيه ولتأثير خطابات التحريض

الاعتماد المفرط على المقاربة الأمنية في مواجهة الظاهرة هو تعبير عن قصور تنفيذي؛ إذ يعالج العرض وليس الجذور. بينما تبذل الأجهزة الأمنية جهودًا لحفظ النظام والحدود، تقع على عاتق الجهات الحكومية مسؤولية تفعيل حلول تنموية شاملة، عبر توجيه الاستثمارات نحو المناطق الهشة والحدودية وخلق بدائل اقتصادية مستدامة تحفظ كرامة السكان وتمنحهم آفاقًا واقعية للحياة

ما شهدته المعابر الحدودية ليس حادثًا عابرًا أو نتيجة عامل خارجي فحسب، بل هو انعكاس لفجوة الأمل الناتجة عن تراجع نجاعة السياسات العمومية. ومعالجة هذا التحدي تقتضي اعترافًا حكوميًا صريحًا بالمسؤولية وإعادة ترتيب الأولويات عبر إصلاحات جذرية في مجالات التعليم والتشغيل والرعاية الاجتماعية، حتى يجد أبناء الوطن وبناته مستقبلهم على أرضهم دون أن يضطروا للمخاطرة بحياتهم

ع .ابورك


Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *