لم تعد مدينة أكادير تلك الحسناء الهادئة التي تقبل على الحياة بتواضع شاطئها وعفوية سكانها، بل تحولت في غضون سنوات قليلة إلى حلبة سباق محمومة للمضاربات العقارية، حتى أضحت أسعار شققها وبقعها الأرضية تتجاوز نطاق المعقول في ارتفاع صاروخي وتزاحم أكثر الأحياء فخامة في العاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء
. أن تشتري سكنا في عاصمة سوس اليوم، بات يتطلب ميزانية تطابق أرقام حي « أنفا » أو حي »كاليفورنيا »، في ظاهرة تطرح أكثر من علامة استفهام حول ديناميات التغير الاقتصادي والاجتماعي بالمدينة
إن هذا الارتفاع الفاحش لم يكن وليد المصادفة أو مجرد انعكاس طبيعي للتضخم العالمي، بل هو نتاج تداخل معقد بين تحول الفكر الاستثماري المحلي واختلالات بنيوية عميقة أجمعت التحليلات على خطورتها
ندرة « الوعاء العقاري » وسباق الرساميل الوافدة
من أبرز عوامل خنق السوق الأكاديرية الاستنزاف الملحوظ للوعاء العقاري القابل للتعمير وتأخر تعبئة أراض جديدة بقلب المدينة، مما رفع قيمة الأراضي الشاسعة والبقع المعدة للبناء إلى مستويات قياسية.
وفي مقابل هذه الندرة الهيكلية في العرض، شهدت المدينة تدفقا مكثفا لرساميل خارج الحدود المحلية، تشمل المغاربة المقيمين بالخارج والمستثمرين الأجانب والوافدين من مدن مغربية أخرى.
هؤلاء يقتنون العقارات ليس بغرض الاستقرار الدائم، بل للاستفادة من الجاذبية السياحية للجهة وتحويل الشقق إلى عائدات إيجارية موسمية، وهو ما اقتطع جزءا كبيرا من المعروض السكني الموجه للساكنة الأصلية والطبقة المتوسطة المحلية
من التنمية الإنتاجية إلى « سيكولوجية التخزين »
إلى جانب العوامل الخارجية، تبرز الأزمة الداخلية المتمثلة في تحول العقار من « خدمة سكنية » إلى « ملاذ آمن للادخار الميت »، لقد طغى فكر استثماري قائم على تجميد رؤوس الأموال في الخرسانة؛ حيث بات الفرد يفضل شراء شقة وإغلاق منافذها لسنوات على أن يستثمر أمواله في دورات اقتصادية إنتاجية تخلق فرص شغل حقيقية
المتجول في أحياء أكادير الجديدة والحديثة، سيتفاجأ بأحياء كاملة تبدو كأنها « مدن أشباح » ليلا؛ شقق مغلقة بمصاريعها الحديدية، لا يسكنها أحد ولا تعرض حتى للإيجار.
هذا « التكديس العقاري » خلق خصاصا وهميا في العرض، مما دفع الأسعار إلى الارتفاع المهول وفق آلية ندرة مفتعلة لا تعكس الواقع الحقيقي للسوق
فجوة برامج الدعم وتكثيف السكن الفاخر
على صعيد آخر، توغلت شركات التطوير العقاري في إنجاز مشاريع سكنية راقية ومتوسطة مرتفعة التكلفة تحقق هامش ربح أعلى، على حساب السكن الاجتماعي والاقتصادي الذي شهد تقلصا حادا.
حتى إن برامج الدعم المباشر للسكن الموجهة للطبقات الهشة والوسطى فقدت جزءا كبيرا من نجاعتها الواقعية، بعدما قام السوق بامتصاص قيمة الدعم وتأثيره عبر رفع أثمنة الشقق ومطالبة المشترين بمبالغ إضافية غير محددة بحجج التجهيز والجودة، مما زاد تعقيد حلم امتلاك مسكن
سطوة « السماسرة » والتشكيلة المالية الخفية
ولا يمكن قراءة هذه الفوضى العقارية دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي يلعبه وسطاء العقار أو « السماسرة ». لقد تحولت هذه الفئة من مجرد صلة وصل بين البائع والمشتري إلى « مهندسين » يحددون البنية السعرية للمدينة بأكملها
عبر شبكات غير رسمية وممارسات تضليلية، يتم التلاعب بالأسعار وإشعال المنافسة بين المشترين، فضلا عن تفشي ظاهرة « noire » (المبالغ غير المصرح بها) التي أصبحت شرطا لا مفر منه لإتمام أي صفقة تجارية
هذا الفضاء غير المنظم أتاح للسماسرة تضخيم قيمة العقارات بشكل غير منطقي، ليصبح العقار المتوسط يباع بأثمان خيالية لا تتماشى إطلاقا مع القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة الأكاديرية
مفارقة التنمية.. هل تقتل المدينة بجمالها
المفارقة الكبرى تكمن في أن أوراش التنمية الكبرى وبرنامج التنمية الحضارية الذي شهدته أكادير مؤخرا، والذي كان يستهدف تحسين جودة عيش المواطنين وجذب الاستثمارات الحقيقية، تم استغلاله مضاربيا لتحويل المدينة إلى بؤرة للاغتناء السريع على حساب الساكنة المحلية
إن استمرار هذا المنحنى لن يؤدي فقط إلى تهجير الطبقة المتوسطة نحو الهوامش والبلديات المجاورة، بل سيصيب الاقتصاد المحلي بالركود؛ فالعقار الذي لا ينتج ولا يسكن هو رأس مال معطل يحرم منه الاقتصاد الفعلي
تقف أكادير اليوم أمام مفترق طرق حاسم إما فتح ملف العقار بشفافية وجرأة عبر حصر تحركات الوسطاء، وفرض رسوم على الأراضي وشقق العطل المهملة، وتنويع العرض السكني ليناسب المداخيل الحقيقية، وإما الاستسلام لفقاعة عقارية ستجعل من حلم الاستقرار بالمدينة مجرد سراب لا يناله إلا كبار المضاربين
Laisser un commentaire