في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، لم يعد السؤال الحقيقي هو كم مشروعاً أنجزنا، بل أصبح: كم إنساناً تمكنا من تمكينه؟ فالدول لا تُقاس فقط بعدد المنشآت التي تبنيها، وإنما بقدرتها على بناء مجتمع يشعر فيه المواطن بأن التنمية ليست خبراً في وسائل الإعلام، بل واقعاً يلمسه في حياته اليومية

يعيش المغرب اليوم مرحلة مفصلية في مساره التنموي. فمن جهة، هناك أوراش كبرى غيرت ملامح البلاد، ومنشآت جعلت المملكة أكثر حضوراً في محيطها الإقليمي والدولي، ومن جهة أخرى، هناك أسئلة اجتماعية عميقة تفرض نفسها بإلحاح: ماذا عن جودة التعليم؟ ماذا عن فرص الشباب؟ ماذا عن المواطن الذي ما زال ينتظر أن تتحول الأرقام الاقتصادية إلى تحسن ملموس في ظروف عيشه؟

لقد أثبتت التجارب العالمية أن التنمية التي تنطلق من الإنسان هي الأكثر قدرة على الاستمرار. فالمواطن ليس رقماً في تقرير اقتصادي، ولا مجرد مستفيد من برنامج اجتماعي، بل هو شريك أساسي في بناء المستقبل. لذلك فإن الرهان الحقيقي للمغرب لا يكمن فقط في تحقيق النمو، بل في جعل هذا النمو أكثر عدلاً وشمولاً

إن ورش الحماية الاجتماعية يمثل تحولاً مهماً في طريقة التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع. لكنه يطرح في الوقت نفسه تحدياً أكبر: كيف ننتقل من منطق الدعم إلى منطق التمكين؟ فالمجتمع القوي ليس هو الذي ينتظر المساعدة، بل هو الذي يحصل على الأدوات التي تسمح له بالاعتماد على قدراته، من خلال تعليم جيد، وتكوين مناسب، وفرص عمل تضمن الكرامة والاستقرار

ولعل أكثر الملفات حساسية هو ملف الشباب. فهذه الفئة لا تطلب فقط حلولاً مؤقتة، بل تطمح إلى فضاء يمنحها الثقة والقدرة على المبادرة. الشاب المغربي يريد أن يكون فاعلاً في وطنه، يريد أن يؤسس مشروعاً، وأن يجد عملاً يليق بطموحه، وأن يشعر بأن المستقبل مفتوح أمامه وليس طريقاً مليئاً بالعوائق

كما أن تحقيق التوازن التنموي يظل مرتبطاً بمعالجة الفوارق بين المجالات. فالوطن لا يكتمل نموه إذا بقيت بعض المناطق بعيدة عن فرص التعليم والصحة والاستثمار. فالعدالة المجالية ليست شعاراً إدارياً، بل هي شرط أساسي لبناء مجتمع متماسك يشعر فيه الجميع بأنهم جزء من نفس المشروع الوطني

لكن التنمية ليست مسؤولية الدولة وحدها. فالمجتمع أيضاً مدعو إلى الانخراط بوعي أكبر، من خلال المشاركة والمبادرة واحترام قيم العمل والمسؤولية. فالأوطان لا تُبنى بالقرارات الرسمية فقط، بل أيضاً بثقافة جماعية تؤمن بأن التقدم مسؤولية مشتركة

إن المغرب أمام فرصة تاريخية لصياغة نموذج تنموي يجعل الإنسان في مركز الاهتمام. فالمشاريع الكبرى تمنح البلاد القوة، لكن الإنسان هو الذي يمنحها المعنى. وإذا كان بناء الطرق والموانئ يفتح المسارات، فإن بناء الإنسان هو الذي يحدد الاتجاه

في النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو الانتقال من مغرب المشاريع إلى مغرب الفرص؛ مغرب لا يكتفي بأن يكون بلداً يتغير في صورته، بل بلداً يشعر مواطنوه بأن هذا التغيير يحدث من أجلهم ومعهم

بقلم : كاتب رأي


Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *