عندما تتحول أحياء المغرب ومساجده إلى أسواق مفتوحة تلوث بالمكبرات الصوتية 

لم تعد أزقة المدن المغربية وأحياؤها السكنية تلك الملاذات الآمنة التي تلجأ إليها العائلات طلبا للراحة والسكينة بعد يوم شاق، بل تحولت تدريجيا إلى ساحات مفتوحة للصخب والفوضى العارمة
 ينطلق المشهد منذ ساعات الصباح الأولى ولا ينتهي إلا مع مغرب الشمس؛ أسطول من العربات والدراجات الثلاثية العجلات ينساب بين الأزقة الضيقة، يتسابق أصحابها من الباعة المتجولين ومشتري « الخردة » والمتلاشيات على اختراق صمت البيوت بأعلى درجات الصوت
لم يعد الأمر يقتصر على الصياح البشري المنادي على السلع، بل امتد ليشمل مكبرات صوت إلكترونية تبث تسجيلات مكررة ومزعجة تصنع تلوثا سمعيا يطال كل بيت، دون مراعاة لحرمة السكن ولا لظروف صحية إنسانية معقدة
ولم تسلم حتى أقدس الفضاءات وأكثرها حرصا على الهدوء من هذا الزحف العشوائي إذ تفاقمت الظاهرة بشكل صارخ أمام أبواب المساجد وفي ساحاتها، خاصة قبيل وبعد أوقات الصلوات وصلاة الجمعة فتتحول محيطات المساجد إلى أسواق عشوائية ترتفع فيها الأصوات وتتعالى المكبرات، مما يمس بحرمة بيوت الله ويشوش على المصلين خشوعهم وراحتهم النفسية، في مشاهد تسيء للجمالية العامة والوقار المفترض في هذه الأماكن الدينية
خلف هذا الصخب المستمر، تتوارى معانات حقيقية يعيشها تفاصيل اليوم المغربي كبار سن يحرمون من لحظة إغفاءة، وأطفال ورضع تتفزع مضاجعهم مع كل نداء مدو، ومرضى يلزمون الأسرة ويحتاجون للهدوء كجزء من علاجهم، يجدون أنفسهم محاصرين داخل منازلهم بأصوات لا تهدأ
 والمثير للدهشة هو حالة الشلل والغياب التام للرقابة، وكأن الشارع العام ومحيط المساجد أصبحت ملاذا مستباحا لمن يملك المكبر الأقوى، في ظل صمت غير مفهوم من طرف السلطات المحلية والشرطة الإدارية المطالبة بحماية راحة المواطنين وصون نظام الملك العمومي
ولا تتوقف أضرار هذه الظاهرة عند حدود الإزعاج النفسي والصحي، بل تمتد لتضرب في عمق الاقتصاد المحلي والتجارة المنظمة. يعاين التجار المهيكلون بألم واحتجاج استباحة أحياء كسبوا زبائنها بالسعي القانوني، فهؤلاء يمارسون نشاطهم دون ترخيص، ولا يؤدون ضرائب ولا واجبات كراء ولا رسوما جماعية، مما يخلق منافسة غير شريفة تهدد أرزاق أصحاب المحلات والأنشطة التجارية الرسمية التي باتت تحت إكراهات مالية خناقة
إن استمرار هذه الفوضى العارمة يطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة أدوار التتبع والمراقبة في مدننا
والمطلوب اليوم ليس قطع أرزاق الفئات الباحثة عن قوت يومها، بل تنظيم القطاع بشكل حازم يضمن حماية حق الساكنة والمصلين في بيئة هادئة ومنظمة، ويعيد للشارع العام وبيوت الله هيبتها وضوابطها، عبر منع هذه المكبرات نهائيا وتخصيص أسواق نموذجية تضمن كرامة البائع وسكينة المواطن على حد سواء

ع.إ


Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *