تخيل أن تدخل بيتك لتجد أجسادا بلا أرواح، وتحاط بوجوه مألوفة تدير لك ظهرها وتغوص في صمت مطبق
 هذا ليس مشهدا من فيلم رعب، بل هو الواقع الصادم الذي نعيشه يوميا، لقد تحول أبناؤنا إلى أشباح تسكن غرفا مظلمة، لا يخرجون منها إلا كالكائنات الليلية لالتقاط بضع لقيمات أو للمغادرة السريعة صباحا نحو المدرسة، ثم يختفون مجددا خلف الأبواب المغلقة
لقد أصبحنا نعيش مع غرباء يشاركوننا اسم العائلة ورقعة البيت، لكن قلوبهم وعقولهم هجرت بالكامل إلى أراض افتراضية مجهولة اغتصبت طفولتهم
إن الخديعة الكبرى التي وقعنا فيها هي اعتقادنا أن الهواتف والحواسب مجرد ألعاب لتسلية الصغار أو أداة عصرية للدراسة ، بينما هي في الحقيقة أجهزة امتصاص عالية الدقة لمشاعرهم وطفولتهم
لقد ماتت في بيوتنا لذة اللعب الحر، واختفت ضحكات الأطفال القادمة من الازقة والدروب والملاعب، ليحل محلها شحوب الوجوه واضطراب الأعين المتصلة بشاشات لا تنام
 الأبناء اليوم لا يعانون من مجرد قضاء وقت طويل على الانترنت، بل يخضعون لإدمان سيكولوجي مدمر جرد الشباب من شغف الحركة، وغرس فيهم « بيتوتية سامة » تجعلهم يخشون مواجهة الحياة الواقعية أو الحديث مع البشر ويفقدون لغة التواصل على أرض الواقع 
هذا التفكك الخفي يلتهم أركان البيوت في صمت، يسلب الوالدين سلطتهم التربوية، ويترك الأبناء فريسة سهلة لعوالم مظلمة تتشكل بعيدا عن رقابتنا. إننا أمام سرقة علنية لأغلى ما نملك، ولن يستيقظ الأبناء من هذا الكابوس إلا بصرخة استفاقة من الآباء
لا بد من انتزاع عقول أبنائنا من هذا الفخ الرقمي، وهدم الأسوار الوهمية بين الغرف، وفرض سيادة الحياة الواقعية في بيوتنا قبل أن يستيقظ الجمع يوما ليكتشفوا أنهم خسروا فلذات أكبادهم للأبد

ع.إ


Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *