
الحكاية التي رواها الراوي في الليلة التي اجتمعت فيها الرموز
قال الراوي
بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أنه في سالف العصر والأوان، في بلادٍ تمتد جبالها إلى السماء، وسهولها إلى الأفق، ويعانق بحرها المحيط، كانت هناك مملكة عظيمة اسمها مملكة المغرب
وكانت تلك المملكة في ليلة من لياليها تنتظر صباحاً غير كل صباح. فالناس قد خرجوا من بيوتهم، والشوارع امتلأت بالخطى، والقلوب امتلأت بالأسئلة، والأبواب أُغلقت، والأصوات خفتت، حتى إذا جاء الليل هدأت المدن. لكن شيئاً عجيباً وقع في تلك الساعة: تحركت الرموز المرسومة على أوراق الانتخابات
خرج الجرار من ورقته، ونفض عن عجلاته غبار السنين، وقال: يا أهل المملكة، لقد جئت من الأرض، ومن الأرض يبدأ كل بناء. وما كاد يتم كلامه حتى سمع رفرفة جناحين، فإذا بالحمامة تهبط من فوق قصر قديم وفي منقارها غصن زيتون. قالت: يا جرار، إن الأرض تحتاج إلى من يحفظ سلامها، فالحرث لا يكون في أرضٍ يحرقها النزاع. فأجاب الجرار: صدقتِ، ولكن السلام وحده لا يزرع القمح
وقبل أن يشتد الجدال سُمع رنين معدن، وإذا بالميزان يدخل الساحة متبختراً بثبات وكفتاه لا تميلان. قال: مهلاً يا أهل الرموز. لا تجعلوا من الاختلاف خصومة. لكل واحد منكم وزن، لكن المملكة لا تستطيع أن تحمل كفة واحدة فقط. فقالت الحمامة: ومن يحدد الوزن؟ فأجاب الميزان: الزمن، والناس، وما يتركونه وراءهم
وبينما هم كذلك أظلمت السماء فجأة فارتعدت الرموز، ثم ظهر في آخر الساحة نور صغير كان المصباح. اقترب ببطء وقال: لا تخافوا من الظلام، فإن الظلام لا يهزم النور إلا إذا انطفأ النور من داخله. قال الجرار: وأين كنت طوال هذه المدة؟ فأجاب المصباح: كنت في مكان بعيد، أراقب الليل حتى جاء أوان الفجر. فسكت الجميع، فقد كان في كلامه شيء لم يفهموه
ثم جاءت السنبلة تحمل في يديها حبات قمح ذهبية وقالت: يا أهل المملكة، تذكروا أن المدن مهما علت أبراجها فإنها تأكل مما تزرعه الأرض. ثم ظهرت الوردة حمراء كأنها قطعة من غروب الشمس فقالت وما قيمة الخبز إذا لم يكن للإنسان كرامة؟ فنظر إليها الجرار وقال: وما قيمة الكرامة إذا لم يجد الإنسان خبزاً؟ فقالت الوردة إذن لنجعل الخبز والكرامة يمشيان معاً. فابتسمت السنبلة
ثم سُمع صوت أوراق تتقلب ودخل الكتاب، وكان كبيراً حتى إن أربعة رجال لم يستطيعوا حمله. قال: اسمعوا يا رموز المملكة. لقد قرأت تاريخكم كله. قال الحصان: وماذا وجدت؟ قال الكتاب: وجدت أن من ظن أنه سيبقى إلى الأبد رحل، ومن ظن أن صوته لن يُسمع سمعه الناس يوماً، ومن ظن أن الرقم هو كل شيء اكتشف أن وراء الرقم بشراً. قال الميزان: وهل تعرف ماذا سيحدث غداً؟ ضحك الكتاب وقال: لا. أنا أعرف ما حدث بالأمس، أما الغد فله أهله
وفجأة دوى صهيل في الساحة ودخل الحصان وكان سريعاً حتى إن الريح بدت خلفه. قال: لا تقفوا طويلاً أمام الأبواب. الحياة لا تنتظر أحداً. فقال الجمل: ومن قال إن السرعة دائماً فضيلة؟ فضحك الحصان: ومن قال إن البطء دائماً حكمة؟ فقال الجمل: لا هذا ولا ذاك. الحكمة أن تعرف متى تسرع ومتى تصبر. فأعجب الكلام الجميع
ثم جاء واحد بعد الآخر: النخلة شامخة كأنها حارسة الصحراء، والزيتونة عتيقة الجذور، والدلفين يحمل رائحة البحر، والأسد يمشي بثقل وهيبة، والنحلة لا تتوقف عن العمل، والفيل يحمل في ذاكرته طرقاً قديمة، والغزال خفيف الخطى، والطائرة القادمة من وراء الأفق، والديك الذي يعرف موعد الفجر، والمظلة التي تبحث عن من تحميه، والصنبور الذي قال إن الماء أغلى من الذهب في بعض البلاد، والعين التي لم تفارق شيئاً، والهلال الذي جاء ومعه سكون الليل، والتفاحة التي تدحرجت حتى وصلت إلى وسط الساحة، والشمعة وبجانبها الحرف وقد حملا معاً نور الكلمة. وكانت الساحة تمتلئ شيئاً فشيئاً
نظر الجرار إلى الجميع وقال: لقد اجتمعنا، ولكن لماذا؟ قالت الحمامة: ربما لنكتشف من منا سيقود. قال الميزان: وربما لنكتشف من منا سيحصل على الوزن الأكبر. قال الأسد: وربما لنكتشف من هو الأقوى. لكن الكتاب أغلق صفحاته فجأة وقال: أنتم تسألون السؤال الخطأ. فسكت الجميع. قال: السؤال ليس من الأقوى؟ ثم فتح صفحته الأخيرة وكان مكتوباً فيها: من يستطيع أن يسمع الآخرين؟
وفي تلك اللحظة انفتح باب القصر ودخلت يد بشرية. لم تكن تحمل سيفاً ولا تاجاً ولا مالاً، كانت مجرد يد. قالت الرموز: من أنت؟ قالت اليد: أنا التي ترسم الإشارة. قال الجرار: وهل أنت أقوى منا؟ ضحكت اليد وقالت: لا. قال الميزان: وهل أنت أضعف منا؟ قالت: لا. ثم أشارت إلى الأوراق الموضوعة على الطاولة وقالت: أنتم رموز، وأنا تذكير لكم بأن وراء كل رمز إنساناً. سكتت المملكة كلها. ثم قالت اليد: قد ترون جراراً أو حمامة أو ميزاناً أو مصباحاً، لكن الإنسان يرى شيئاً آخر. يرى مستقبله
عند منتصف الليل صعدت الرموز جميعاً إلى أعلى البرج، ومن هناك رأوا مدن المملكة نائمة. رأوا الأضواء في الدار البيضاء، ورأوا البحر عند طنجة، ورأوا جبال الأطلس، ورأوا القرى البعيدة، ورأوا حقول القمح، ورأوا البيوت الصغيرة التي لا يعرف أحد أسماء أصحابها. قالت النخلة: هؤلاء هم سبب وجودنا. قالت الوردة: نعم. وقال الكتاب: وهذه هي الصفحة التي لا يستطيع أحد أن يكتبها وحده. أما الميزان فقد بقي صامتاً، لأن كفتيه كانتا متساويتين لأول مرة
وقبل أن تطلع الشمس بقليل قال الديك: اقترب الصباح. عاد الجرار إلى ورقته، وحلقت الحمامة في السماء، عاد الميزان إلى مكانه، أُضيء المصباح، نامت السنبلة بين الحقول، عادت الوردة إلى مكانها، أغلق الكتاب صفحاته، اختفى الحصان خلف الطريق، وعادت الشمعة إلى الورقة، واختفى باقي الرموز واحداً بعد الآخر. لكن قبل أن تختفي قال الكتاب: تذكروا شيئاً واحداً. فسألوه: ماذا؟ قال: قد يتغير الرمز، وقد يتغير الرقم، وقد تتغير المقاعد، وقد تتغير التحالفات، لكن المملكة تبقى، والحكاية تستمر
ثم أشرقت الشمس، وانتهت ليلة الرموز
أما الراوي فقال: وهكذا يا مولاي، لم يعرف أهل المملكة في تلك الليلة من كان أقوى الرموز، لأن كل رمز كان يحمل جزءاً من الحكاية. لكنهم عرفوا شيئاً أعظم: أن الوطن ليس جراراً وحده، ولا حمامة وحدها، ولا ميزاناً وحده، ولا مصباحاً وحده. الوطن هو الحكاية التي يكتبها الجميع، وإن اختلفت أقلامهم. ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى الناس رمزاً على ورقة، تذكروا أن وراء ذلك الرمز قصة، ووراء القصة إنساناً، ووراء الإنسان وطناً
وهنا انتهت الحكاية… لكن لم تنتهِ الليالي
Laisser un commentaire