
يعيش قطاع المفوضين القضائيين بالمغرب على وقع مفارقة دقيقة ومقلقة تستوجب الوقوف عندها بتبصر وموضوعية فبقدر ما تكرست الرهانات الكبرى على أوراش إصلاح وتحديث المنظومة القضائية ، لا سيما من خلال صدور القانون المنظم للـمهنة رقم 46.21، والانتقال نحو آفاق تنظيمية جديدة بصدور قانون المسطرة المدنية رقم 58.25 ، بقدر ما يجد المفوض القضائي نفسه اليوم محاطا بجملة من التحديات الميدانية والمالية الجسيمة التي تعرقل مسار أدائه المهني
إن خروج هذه التشريعات الحيوية إلى الوجود دون استكمال بنيتها التشريعية عبر إصدار المراسيم التطبيقية والنصوص التنظيمية المكملة، ورهن الهيئة بالمرسوم المنتظر من وزارة العدل المتعلق بتحيين وتعديل جدول الأتعاب، قد أفرز وضعا مهنيا هضمت فيه التوازنات الاقتصادية للمكاتب، وبات يتطلب تدخلا تشريعيا وتنظيميا عاجلا لإعادة الأمور إلى نصابها
ففي الوقت الذي توسعت فيه الاختصاصات النوعية للمفوض القضائي وتكاثرت أعباؤه الإدارية والمهنية، وتضاعفت الواجبات المفروضة عليه لضمان نجاعة المحاكم، اصطدم هذا التطور بجمود حاد في الإطار المالي
فالأتعاب الحالية لا تزال محكومة بتعريفة تجاوزها الزمن الواقعي والمعاش اليومي ، ولا تتماشى البتة مع مستوى التضخم وارتفاع تكاليف تسيير المكاتب المهنية اليوميةوالرقمية
وتزداد هذه الأزمة عمقا مع الانخراط الإجباري في ورش الإدارة القضائية الرقمية، ولا سيما اعتماد آليات التبليغ الإلكتروني. فهذا الورش الوطني الهام، وإن كان يهدف إلى تجويد الخدمة القضائية وتسريع وتيرتها، فإنه فرض على المفوض القضائي تكاليف باهظة تمثلت في اقتناء التجهيزات التقنية المتقدمة، والاشتراك في الشبكات الرقمية، وتأمين البنيات التحتية التكنولوجية اللازمة للربط والتواصل، وذلك كله بمجهود ذاتي واستثمار فردي محض، ودون مواكبة مادية أو دعم مؤسساتي يوازن هذا العبء المضاف
إن استمرار هذا التباين الحاد بين تنامي الواجبات والالتزامات المهنية والتقنية المتزايدة، وبين شح الإمكانيات واستمرار تجميد التعويضات الملائمة، يضع استمرارية المكاتب المهنية أمام محك حقيقي. من هنا، يصبح التعجيل بإصدار النصوص التنظيمية المكملة، والإفراج عن مرسوم الأتعاب الجديد بما يضمن التوازن المالي المطلوب، مدخلا أساسيا لا غنى عنه لصون كرامة المهنة وضمان اضطلاع المفوض القضائي بدوره الأمثل كركيزة أساسية من ركائز الأمن القضائي والاقتصادي بالبلاد